طوال سنوات سابقة كانت الحكومات السورية تنتقد طريقة أداء البنك الدولي و سعيه لتقديم القروض للدول التي تتبع سياساته الاقتصادية وتحجبها عن الأخرى .
يبدو أن هذا الوضع لم يستمر في سوريا حين بدأت الحكومة الحالية برئاسة العطري تنتهج سياسات البنك و تنفذ توصياته فيما يخص تحرير الأسعار و إلغاء الدعم عن المواد الأساسية التي تشكل عصب الحياة للمواطن الفقير وصولاً إلى التحرير الكامل للسلع و الخدمات بهدف تمرير قانون السوق الحر .
قـــــــــــد تنجح هذه السياسة في بعض الدول و الدول الغنية منها على وجه الخصوص و التي تتمتع بقدر كبير من الشفافية و النزاهة .
لكن كيف يمكن لهذه السياسة أن تنجح في سوريا و هي الدولة التي تعاني من سلبيات كثيرة إن على الصعيد السياسي أو الاقتصادي .
ففي ظل وضع سياسي أتاح لكبار السياسيين و ضباط الجيش و الأمن تكوين إمبراطورياتهم الاقتصادية الخاصة و إنشاء شبكات مالية و اقتصادية بالتحالف مع اقتصاديين كبار أن تتمكن الحكومة من إتاحة خيار المنافسة الحرة التي تضمن وصول السلع و عرضها في السوق بحيث يتمكن المواطن من اختيار ما يناسبه جودة أو سعراً .
و نظرة سريعة إلى قائمة المستوردين السوريين المحتكرين للسلع و الخدمات تكشف الكثير من شبكات التجار و رموز السلطة الذين يتحكمون بالسوق السورية .
أما الوضع الاقتصادي فلا يقل خطورة , فالبطالة بين الشباب هي الأعلى في العالم و منذ عقود طويلة لم تشهد سورية مثل هذا الكم من الشباب العاطلين عن العمل , الغريب هو المبرر السلطوي الذي يضع الحق على المواطن السوري نتيجة الخصوبة العالية التي يتمتع بها و ارتفاع معدلات الإنجاب دون أن يحرث جهابذة الاقتصاد الحكومي عقولهم و يفكروا بمشاريع جديدة ( حقيقية ) تضمن للشباب فرص عمل حقيقية .
يبقى من يملك عملاً , فحتى من يجد عملاً سيعاني من انخفاض الراتب أو الأجر الذي يحصل عليه ناهيك عن انخفاض القوة الشرائية لليرة السورية فالعامل العادي لن يتجاوز الأجر الذي يحصل عليه حاجز الـ 150 دولار شهرياً و سيصل إلى 300 دولار حين بلوغ العامل سن التقاعد .
لكن ما يزيد الطين بلّة هو السياسات الانفتاحية التي تنتهجها الحكومة السورية متقيدة بذلك بوصفات صندوق النقد الدولي ليعيش الوطن و المواطن في ظل فوضى عارمة من الغلاء في السلع و الخدمات .
لم تنعكس نسب النمو التي يتباهى بها المسؤولون السوريون و التي وصلت حسب ادعاءاتهم إلى ما يقارب الـ 6.5 % على حياة المواطن السوري و بذلك نستطيع تفنيد كل إنجازاتهم الاقتصادية لسببين رئيسيين الأول : هو عدم حصول المواطن على ما يشير إلى النسب المزعومة إياها . و الثاني هو إن هذه النسب اقترنت بمشاريع وهمية لم تحقق فرص عمل أو تخلق قيمة مضافة للسلع السورية و التي لو فعلت لكان لذلك بالغ الأثر على الاقتصاد السوري و أقصد بالمشاريع الوهمية هي مشاريع الإعمار التي تحقق الربح السريع بتكاليف زهيدة و بأيدي عاملة قليلة و رخيصة و آنية ستجد نفسها بدون عمل بمجرد انتهاء المشروع .
مع ذلك تستمر الحكومة السورية بالتقيد بوصفات صندوق النقد الدولي و آخر ما توصلت إليه حول سبب الخسائر المتراكمة للاقتصاد السوري هو في الدعم الذي تقدمه الخزينة العامة للحاجات الأساسية للمواطن كالخبز و السكر و الأرز و المازوت و هي الآن بصدد رفع هذا الدعم و ترك المواطن يتخبط يميناً و شمالاً و لكن تحت مسميات عديدة آخرها كان " إيصال الدعم إلى مستحقيه " .
لم تستطع هذه الحكومة محاربة الفساد لأن الفساد مزروع فيها و هو أيضاً أقوى و أكبر منها :
فمن بديهيات الأمور أن الإنسان الشريف الذي بات عاجزاً عن أداء مهامه أو فشل فيها أن يترك المجال لمن هو أقدر منه , لكن وزراء هذه الحكومة الفاشلين لم يفعلوا ... لأن أمر بقائهم و تعيينهم و إقالتهم ليس بيدهم .
كما أن هؤلاء غير قادرين على مكافحة الفساد لأنهم أضعف من ذلك بكثير و لأن الفساد هو من قام بتعيين أشخاص الحكومة , فهل يستطيع وزير العدل مثلاً الادعاء على السيد طريف الأخرس ( عم السيدة أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد ) بجرم احتكار استيراد و توزيع مادة السكر في السوق السورية ؟.
لكن الحكومة تحارب الفساد بطرق أخرى , كان آخرها ما تم اكتشافه من اختلاسات و سرقة في مستودعات المواد الغذائية في محافظة اللاذقية و اشتراك العديد من التجار و الشخصيات المسؤولة في هذا الجرم , وصلت قيم الاختلاسات و السرقات إلى ما يقارب 642 مليون ليرة سورية ( 12 مليون و مائة ألف دولار أمريكي ) على مدى سبع سنوات بدءاً من عام 2000 . و بالرغم من ذلك تمنع الهيئة المركزية للرقابة و التفتيش بدمشق محاكمة نزار دلول مدير عام المؤسسة الاستهلاكية و عارف الحاج يوسف معاون وزير الاقتصاد السابق رغم ثبوت قبولهم الرشاوى من المتهمين . و بعد ذلك نسأل :
هل سبع سنوات من السرقات المكشوفة غير كافية لاكتشافها و تقديم الجناة إلى العدالة ؟
هل لا زالت هذه الحكومة معنية بمكافحة الفساد أم أن العقوبات تطال الصغار , و الفساد يرتع في قمة الهرم السلطوي ؟ .
كتبها ابن الشرق في 03:54 مساءً ::
الاسم: ابن الشرق
